فخر الدين الرازي
532
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا ، فذكر تعالى عقيبه : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم . والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام اللّه تعالى ، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله . التأويل الثاني : أن الكافرون إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك العذاب ، فاللّه تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] . والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الرديء ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب اللّه . والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند اللّه ، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، وقالوا أيضا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] فمن عبد جمادا وتوقع أن يكون شفيعا له عند اللّه فقد ظلم نفسه حيث توقع الخبر ممن لا يجوز التوقع منه . والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل اللّه ، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئا قل أو كثر . والتأويل السادس : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا هاهنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه اللّه واللّه أعلم . تم الجزء السادس ، ويليه إن شاء اللّه تعالى الجزء السابع ، وأوله قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ أعان اللّه على إكماله